في وقت تتجه فيه طرق التواصل السياسي بشكل متزايد نحو الفضاء الرقمي، اختارت الاكاديمية الاستقلالية للشباب تقديم جزء من برنامجه الانتخابي لسنة 2026 بطريقة مختلفة عن الصيغ التقليدية، من خلال منصة رقمية تفاعلية تحمل اسم «طريق المستقبل»، عبر موقع mizanechallenge.com.
المبادرة تقوم على توظيف أسلوب قريب من الألعاب الرقمية، بهدف تقديم مضامين البرنامج الانتخابي للمستخدم في قالب تفاعلي، بدل الاكتفاء بالوثائق المكتوبة أو الخطابات السياسية المعتادة.
برنامج انتخابي في شكل تحدٍّ رقمي
فكرة المنصة تقوم على عرض مجموعة من المقترحات أمام المستخدم، ليحدد ما إذا كان المقترح المعروض يتضمنه البرنامج الانتخابي للحزب لسنة 2026 أم لا، من خلال الاختيار بين «نعم» و«لا».
بعد كل إجابة، يحصل المستخدم على تصحيح، ما يسمح له بالتعرف تدريجياً على مضامين البرنامج من خلال التفاعل المباشر مع المنصة.
وبذلك، تتحول عملية الاطلاع على البرنامج الانتخابي من قراءة تقليدية إلى تجربة تعتمد على التفاعل والمشاركة والتحدي.
من الوثيقة السياسية إلى تجربة المستخدم
عادة ما تقدم البرامج الانتخابية في شكل وثائق تتضمن مجموعة من المحاور والوعود والمقترحات، وهو ما يجعل طريقة الوصول إلى مضمونها مرتبطة أساساً بمدى استعداد المواطن لقراءة هذه الوثائق والبحث في تفاصيلها.
أما اعتماد صيغة تفاعلية، فيغير طريقة تقديم المعلومة نفسها، إذ يصبح المستخدم جزءاً من العملية، من خلال الإجابة واكتشاف الإجابة الصحيحة والتعرف على مضمون البرنامج أثناء اللعب.
وهنا تبرز فكرة Gamification، أي توظيف عناصر مستوحاة من الألعاب في مجالات أخرى، ومنها التواصل السياسي.
محاولة للوصول إلى الجمهور الرقمي
اختيار هذا الشكل من التواصل ينسجم أيضاً مع التحول الذي يعرفه استهلاك المحتوى السياسي، خصوصاً لدى فئات شابة تقضي جزءاً كبيراً من وقتها على الهواتف والمنصات الرقمية.
فبدلاً من مخاطبة المستخدم فقط عبر خطاب سياسي طويل، تقدم المنصة محتوى يمكن التفاعل معه خلال فترة قصيرة، وبآلية تعتمد على السؤال والإجابة والنتيجة.
ولا يتعلق الأمر فقط بتغيير الشكل، بل بإعادة التفكير في كيفية تقديم المعلومة السياسية داخل البيئة الرقمية، حيث أصبحت السرعة والتفاعل والبساطة من العناصر الأساسية في جذب انتباه المستخدم.
التصحيح الفوري.. التعلم من خلال التفاعل
من العناصر اللافتة في التجربة، اعتماد التصحيح الفوري بعد الإجابة. فالمستخدم لا يكتفي باختيار «نعم» أو «لا»، وإنما يتعرف على مدى صحة اختياره وعلى المعلومة المرتبطة بالمقترح.
هذه الآلية تجعل المنصة أقرب إلى اختبار تفاعلي، يمكن من خلاله للمستخدم اكتشاف مضامين البرنامج الانتخابي بشكل تدريجي، بدلاً من الاطلاع عليه دفعة واحدة في وثيقة مطولة.
لكن، في المقابل، تظل فعالية هذا النوع من التواصل مرتبطة بمدى وضوح المعلومات المقدمة، وقدرة المستخدم على الانتقال من معرفة المقترحات إلى فهم تفاصيلها وسياقها السياسي والاقتصادي.
هل تصبح اللعبة لغة جديدة للتواصل السياسي؟
تجربة «طريق المستقبل» تطرح سؤالاً أوسع حول مستقبل التواصل السياسي في المغرب: هل يمكن للأدوات الرقمية التفاعلية أن تصبح جزءاً أساسياً من الحملات الانتخابية؟
فالتحول من الملصق والخطاب والتجمع إلى الاختبار الرقمي والفيديو القصير والتفاعل المباشر يعكس، في جانب منه، تغيراً في الأدوات التي تستخدمها الأحزاب للوصول إلى الجمهور.
وإذا استمر هذا الاتجاه، فقد نشهد مستقبلاً مزيداً من المبادرات التي تستخدم الاختبارات، الألعاب، المحتوى التفاعلي والذكاء الاصطناعي لتقديم البرامج والمواقف السياسية بطرق مختلفة.
تجربة في التواصل أكثر منها في السياسة
وبعيداً عن مضمون البرنامج الانتخابي نفسه، تطرح منصة «طريق المستقبل» تجربة تستحق المتابعة من زاوية التواصل السياسي الرقمي.
فنجاح مثل هذه المبادرات لا يقاس فقط بعدد الزيارات أو المشاركات، وإنما أيضاً بقدرتها على دفع المستخدم إلى الانتقال من التفاعل مع اللعبة إلى الاطلاع الفعلي على البرنامج وفهم مقترحاته.
وفي النهاية، قد يكون الرهان الحقيقي لهذه التجربة هو معرفة ما إذا كان تحويل البرنامج الانتخابي إلى تحدٍّ رقمي قادراً فعلاً على جعل المواطن أكثر اهتماماً بالمضمون السياسي، أم أن التفاعل سيبقى مرتبطاً بالجانب الترفيهي للعبة.
وبين الخطاب التقليدي والتجربة الرقمية، يبدو أن «طريق المستقبل» يفتح نقاشاً جديداً حول الطريقة التي يمكن أن تُقدَّم بها البرامج الانتخابية في عصر أصبحت فيه الشاشة الصغيرة واحدة من أهم مساحات التواصل بين السياسي والمواطن.



































































