تكشف التطورات الأخيرة في المواجهة بين إدريس شحتان، مدير نشر مؤسسة «شوف تيفي» ورئيس الجمعية الوطنية للإعلام والناشرين، ومحمد أوزين، الأمين العام لحزب الحركة الشعبية، عن مفارقة واضحة بين الاحتكام إلى المؤسسات وبين الانزلاق إلى منطق المساجلة والتشهير.
ففي الوقت الذي اختار فيه شحتان مواجهة الاتهامات الموجهة إليه عبر القنوات القانونية، معلناً استعداده للمثول أمام القضاء وتحمل مسؤوليته كاملة إذا ثبتت في حقه أي مخالفة، يبدو أن الطرف الآخر يصر على نقل النقاش من فضاء المؤسسات إلى فضاء المنابر والمنصات الرقمية، حيث تختلط المعطيات بالاتهامات، وتتحول الخلافات السياسية والمهنية إلى حملات تستهدف الأشخاص والأسر.
إن شحتان، بهذا الخيار، لا يطلب امتيازاً ولا يبحث عن حصانة، بل يضع نفسه تحت سلطة القانون، وهو ما يجعل الكرة اليوم في ملعب المؤسسات القضائية المختصة. فحين تكون هناك اتهامات واضحة، فإن الطريق الطبيعي ليس التشهير ولا التسريبات ولا الحملات الرقمية، وإنما تقديم الأدلة إلى القضاء وترك العدالة تقول كلمتها.
وفي المقابل، فإن محاولة الهروب إلى الأمام عبر تحويل النقاش إلى معركة إعلامية وشخصية لن تحل أصل الخلاف، ولن تجيب عن الأسئلة المطروحة حول تدبير الشأن الحزبي أو العلاقة مع الجسم الإعلامي والمهني. بل إن مثل هذا الأسلوب قد يزيد من تعقيد الوضع ويضع صاحبه أمام أسئلة أكبر حول حدود المسؤولية السياسية والأخلاقية في استعمال المنابر الإعلامية والرقمية.
ومن هنا، فإن النيابة العامة مطالبة بالتدخل، كلما تبين لها وجود أفعال أو ادعاءات قد تشكل جرائم يعاقب عليها القانون، وفتح الأبحاث اللازمة بشكل مستقل ومحايد، والاستماع إلى جميع الأطراف، وترتيب الآثار القانونية على ضوء ما ستكشف عنه التحقيقات. فالقضاء وحده يملك صلاحية تحديد المسؤوليات، وليس المنصات الرقمية أو الحملات الإعلامية.
كما أن حماية الحياة الخاصة وحرمة الأسر وسمعة الأشخاص لا ينبغي أن تتحول إلى أدوات في الصراعات السياسية أو المهنية. وإذا كانت هناك وقائع أو مخالفات، فالمكان الطبيعي لطرحها هو أمام الجهات المختصة، مع احترام قرينة البراءة وحق كل طرف في الدفاع عن نفسه.
اليوم، لم يعد المطلوب المزيد من التصريحات المتبادلة، ولا الدخول في حرب بلاغات ومقاطع ومنشورات. المطلوب هو الحقيقة. والحقيقة لا تُحسم بعدد المتابعين، ولا بقوة المنابر، ولا بحجم الضجيج الرقمي، وإنما بالدليل والقانون والقضاء.
لقد اختار شحتان، وفق ما أعلن عنه، الاحتكام إلى المؤسسات. والكرة الآن في ملعب المؤسسات، وفي مقدمتها النيابة العامة، حتى يتم وضع حد لكل أشكال التشهير والاتهام غير المثبت، وحتى يعرف الرأي العام أين تنتهي الخلافات السياسية والمهنية وأين تبدأ المسؤولية القانونية.
أما تحويل المعركة إلى تصفية حسابات شخصية واستهداف الأسر، فلن يخدم لا السياسة ولا الصحافة ولا صورة المؤسسات، بل سيعمق فقط أزمة الثقة التي تحتاج اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى خطاب مسؤول وإلى الاحتكام الصريح إلى دولة القانون.



































































