لم يكن افتتاح معرض الصناعة التقليدية بمنطقة زناتة التابعة لإقليم المحمدية، مناسبة للاحتفاء بالصناع التقليديين وإبراز قيمة منتجاتهم كما كان منتظرا، بل تحول إلى حدث مثير للجدل بعد انتشار مقطع فيديو وثق لحظات من المزاح المتبادل بين البرلمانيين سعيد التدلاوي وهشام آيت منا، وهي لحظات اعتبرها كثيرون تجاوزا لحدود الدعابة السياسية وإساءة لصورة المؤسسة التشريعية.
الفيديو الذي انتشر بشكل واسع على منصات التواصل الاجتماعي، أظهر البرلمانيين وهما يتبادلان عبارات تحمل إيحاءات اعتبرها متابعون غير مناسبة، من قبيل “كتعرف تخرمز” و”راه تيفهم فداكشي لي غير قانوني” و”فيك الدغل”، وسط أجواء بدت في ظاهرها مرحة، غير أن مضمون الكلام أثار نقاشا واسعا حول طبيعة الخطاب الذي يصدر عن منتخبين يمثلون المواطنين داخل البرلمان.
فحتى إذا تم تصنيف هذه العبارات ضمن خانة المزاح، فإنها تطرح تساؤلات حول اختيار مثل هذه التلميحات أمام الكاميرات، وحول الحدود التي ينبغي أن تحكم سلوك وخطاب المسؤولين العموميين. فالكلمة الصادرة عن المنتخب لا تبقى مجرد تعبير شخصي، بل تحمل أيضا دلالات مرتبطة بصورة المؤسسة التي ينتمي إليها والثقة التي يمنحها المواطنون لممثليهم.
الإشكال الحقيقي الذي أثارته الواقعة لا يكمن فقط في العبارات المتبادلة، وإنما في الانطباع الذي خلفته لدى الرأي العام. فعندما يسمع المواطن إشارات توحي بوجود معرفة بأمور غير قانونية أو ممارسات مشبوهة، حتى في إطار المزاح، فإن ذلك قد يعمق حالة فقدان الثقة في العمل السياسي ويزيد من الانتقادات الموجهة إلى أداء المنتخبين.
وقد خلف انتشار الفيديو ردود فعل متباينة، حيث عبر عدد من سكان المحمدية عن استيائهم من مستوى الخطاب السياسي المتداول، معتبرين أن انتظارات المواطنين تتعلق بطرح القضايا التي تؤرق الإقليم، من قبيل ضعف البنيات التحتية، ومشاكل التشغيل، والنقل، والبيئة، والاستثمار، وليس تبادل الرسائل الساخرة أمام عدسات التصوير.
كما أعادت هذه الواقعة النقاش حول حصيلة ممثلي الإقليم داخل المؤسسة التشريعية، إذ يرى متابعون أن عددا من الملفات التنموية لا تزال تنتظر ترافعا سياسيا أقوى، وأن حضور المنتخبين ينبغي أن يقاس بمدى قدرتهم على الدفاع عن مصالح المواطنين واقتراح الحلول، وليس فقط بمدى ظهورهم في المناسبات والأنشطة العمومية.
ويربط بعض المتتبعين هذا الحضور المتزايد في الفترة الأخيرة بقرب الاستحقاقات الانتخابية المرتقبة، معتبرين أن النشاط السياسي المكثف غالبا ما يعرف انتعاشا مع اقتراب المواعيد الانتخابية، بعد فترات من محدودية الحضور الميداني.
ولا تقتصر دلالات هذه الواقعة على شخصي البرلمانيين المعنيين، بل تتجاوزهما إلى نقاش أوسع حول صورة الممارسة السياسية وعلاقة المواطن بممثليه. فحين تطغى المشاهد الجانبية والرسائل المشفرة على النقاش العمومي، تصبح القضايا التنموية الحقيقية في موقع ثانوي، بينما يتحول الجدل الإعلامي إلى محور الاهتمام.
المواطن لا ينتظر من منتخبيه مجرد الظهور أو تبادل المجاملات، بل ينتظر منهم الدفاع عن مصالح الإقليم، وممارسة أدوارهم الرقابية، والترافع من أجل المشاريع والحلول، ومساءلة الجهات المسؤولة عن الاختلالات.
قد يرى البعض في ما حدث مجرد لحظة عابرة من المزاح، غير أن جزءا من الرأي العام اعتبرها مؤشرا على إشكال أعمق يرتبط بصورة المنتخب ومستوى الخطاب السياسي. وبين ما يعتبره البعض دعابة، وما يراه آخرون مساسا بهيبة المسؤولية، يبقى السؤال مطروحا حول مدى وعي بعض المنتخبين بأن كل كلمة أو تصرف أمام الكاميرات لا يعكس شخصهم فقط، بل يعكس أيضا المؤسسة التي يمثلونها والثقة التي وضعها المواطنون فيهم.



































































