يتجدد في المغرب مع كل اقتراب لفصل الشتاء النقاش حول العودة إلى الساعة القانونية (توقيت غرينيتش)، إذ لا يظل الموضوع مجرد خيار تقني مرتبط بالاقتصاد والإنتاجية، بل يتحول إلى قضية اجتماعية ونفسية تمس تفاصيل الحياة اليومية، خاصة بالنسبة للأطفال والموظفين. فبينما تؤكد السلطات أن اعتماد التوقيت الصيفي بشكل شبه دائم يعزز الانسجام مع الشركاء الاقتصاديين ويدعم المبادلات الدولية، يرى معارضون أن هذا الخيار ينعكس سلبا على التوازن النفسي والروتين اليومي، لا سيما لدى الفئات الهشة.
ومنذ إقرار العمل بتوقيت (GMT+1) طيلة السنة سنة 2018، باستثناء شهر رمضان، عاد الجدل ليطفو على السطح كل عام، مع تزايد التساؤلات حول جدوى هذا القرار وتأثيراته الفعلية على المجتمع.
في هذا السياق، أوضحت الأخصائية النفسية والباحثة في علم النفس الاجتماعي، بشرى المرابطي، أن الرجوع إلى التوقيت القانوني خلال الشتاء ينسجم بشكل أفضل مع الساعة البيولوجية للتلاميذ. وأشارت إلى أن الاستيقاظ تزامنا مع بزوغ ضوء النهار يسهم في تنظيم إيقاع النوم واليقظة، ويحد من اضطرابات النوم التي يسببها الاستيقاظ في الظلام. فالتعرض للضوء الطبيعي صباحا يساعد الدماغ على تنشيط الهرمونات المسؤولة عن اليقظة، ما يجعل الانتقال من النوم إلى النشاط أكثر سلاسة، بخلاف ما يحدث حين يضطر الطفل لبدء يومه في ظروف يغلب عليها الظلام والخمول.
وأكدت أن التحسن لا يقتصر على الجانب الجسدي، بل يشمل أيضا البعد النفسي والسلوكي؛ إذ إن انتظام النوم يقلل من التوتر ويساعد الطفل على ضبط انفعالاته داخل المدرسة. فالطفل الذي ينال قسطا كافيا من الراحة ويستيقظ في ظروف طبيعية يكون أكثر قدرة على التفاعل الإيجابي والمشاركة الفعالة، ما ينعكس إيجابا على تحصيله الدراسي وعلى أجواء الفصل بشكل عام.
كما لفتت إلى أن العودة إلى الساعة العادية تسهم في تحسين تنظيم الحياة الأسرية، خصوصا في المناطق القروية وشبه الحضرية، حيث تتطلب الاستعدادات الصباحية وقتا أطول. فالتوقيت الملائم يمنح الأطفال فرصة تناول فطور متوازن في أجواء هادئة، ويقلل من مخاطر التنقل في الظلام، الأمر الذي يعزز شعور الأسر بالأمان ويهيئ بيئة مدرسية أكثر استقرارا.
من جهته، أشار الخبير التربوي جمال شفيق إلى أن العمل بالساعة الإضافية خلال الشتاء يطرح تحديات واضحة داخل المؤسسات التعليمية، إذ يلاحظ المدرسون صعوبات لدى عدد من التلاميذ في التهيؤ النفسي لبداية اليوم الدراسي. ويرجع ذلك، حسب قوله، إلى عدم توافق أوقات النوم مع الإيقاع البيولوجي، إضافة إلى مغادرة بعض التلاميذ منازلهم في وقت مبكر دون تناول وجبة إفطار كافية، ما يؤثر على مستوى التركيز والانتباه.
وأوضح أن تراجع التركيز في الحصص الصباحية ينعكس على وتيرة الدروس، حيث يضطر المدرسون إلى إعادة الشرح أو تبسيط المضامين، الأمر الذي يؤثر على الزمن المدرسي وجودة التعلمات. كما أن الإرهاق يدفع بعض التلاميذ إلى التشتت وضعف المشاركة، مما ينعكس سلبا على مردودهم الدراسي وعلى مناخ القسم.
وشدد شفيق على ضرورة أن يستند النقاش حول التوقيت إلى معطيات علمية تراعي الخصائص النفسية والمعرفية للأطفال، لا أن يقتصر على الاعتبارات الاقتصادية فقط. فالتوافق بين الزمن المدرسي والإيقاع البيولوجي يعد عاملا أساسيا في دعم الصحة النفسية وتحسين النتائج الدراسية. واقترح التفكير في حلول مرنة، مثل تعديل مواعيد انطلاق الدراسة خلال فصل الشتاء أو اعتماد جداول تراعي خصوصيات كل جهة.
وختم بالتأكيد على أن المدرسة ليست مجرد فضاء للتحصيل المعرفي، بل بيئة حياة يومية للطفل، ما يستوجب توفير شروط زمنية ملائمة تضمن راحته النفسية والجسدية، باعتبار أن أي إصلاح تربوي يظل رهينا بالانتباه إلى الإيقاع الزمني للتلاميذ.



































































