تشكل عادة نحر الإبل، بدل ذبح الأغنام أو الماعز، أحد أبرز المظاهر المرتبطة بالتقاليد الحسانية الراسخة في الأقاليم الجنوبية للمملكة، والتي تعود إلى عمق الثقافة الصحراوية المستمدة من تعاليم الدين الإسلامي والمذهب المالكي. وتبرز هذه العادة بشكل لافت خلال عيد الأضحى، حيث تحافظ ساكنة الصحراء على هذا الإرث الاجتماعي الذي يعكس مكانة الإبل في حياتهم اليومية ومختلف مناسباتهم الاجتماعية، كالأعراس والعقيقة وتسوية النزاعات وأداء الديات.
وفي جولة داخل سوق الماشية بمدينة العيون، يتضح الحضور القوي للإبل، بعدما خصصت السلطات المحلية فضاء خاصا لبيعها طيلة السنة، خاصة مع اقتراب عيد الأضحى. كما تنتشر “الأحواش” المخصصة لعرض المواشي القادمة من البوادي والمناطق الصحراوية المجاورة، حيث تشهد حركة نشطة للبيع والشراء.
وفي هذا السياق، أوضح عزيز اعبيدها، أحد تجار الإبل بمدينة العيون، أن عددا متزايدا من سكان الأقاليم الجنوبية يفضلون نحر الإبل يوم العيد، بالنظر إلى ارتباط الإنسان الصحراوي بها واعتبارها جزءا من هويته وثقافته. وأضاف أن لحوم الإبل تحظى بإقبال كبير لما تتميز به من فوائد صحية، من بينها انخفاض نسبة الكوليسترول، فضلا عن مذاقها الخاص الذي يستهوي الكثيرين.
وأشار المتحدث ذاته إلى أن العامل الاقتصادي يشجع بدوره على الإقبال على “النحيرة”، حيث يشترك سبعة أشخاص في اقتناء جمل واحد وتقاسم تكلفته ولحومه فيما بينهم. ويتم اختيار الإبل بعناية، إما بشكل مباشر أو عبر الاستعانة بخبير مختص، قبل أن يتولى جزار متمرس تقسيم اللحوم بالتساوي بين المشاركين عقب عملية النحر.
ومن جهته، أكد التاجر لحسن بابا ولد أحمد بابا، المعروف بخبرته الطويلة في تربية الإبل، أن هذا التقليد يعكس عمق الثقافة الحسانية وتمسك المجتمع الصحراوي بالإبل ومكانتها الخاصة. كما اعتبر أن الاشتراك الجماعي في “النحيرة” قد يكون أقل تكلفة من شراء أضحية من الغنم، موضحا أن كل فرد من المشاركين السبعة قد يحصل على كمية مهمة من اللحم بثمن مناسب.
ويظل هذا التقليد حاضرا بقوة في الأقاليم الجنوبية خلال عيد الأضحى، ليس فقط باعتباره شعيرة دينية، بل أيضا كرمز للتضامن والتكافل الاجتماعي بين الأسر الصحراوية، حيث تتحول مناسبة النحر إلى لقاء عائلي يجمع المشاركين وأفراد أسرهم في أجواء تسودها الألفة والتعاون والمحافظة على الموروث الحساني الأصيل.


































































