ذ / عبد اللطيف شعباني
أفرزت الساحة الثقافية الراهنة مصطلح المثقف الرقمي، وهو المثقف القادر على إنتاج المعلومة ، النص، ويمتلك مهارة تقنية عالية في الحصول عليه من منتجين آخرين؛ ولم يعد ذلك يحتاج من المثقف الجديد السفر أو بذل الجهد البدني والحركي عبر قطع المسافات للحصول على المعلومة المعرفية، بل أصبح كل ما يحتاج إليه هو وسائل بسيطة يسهل الحصول عليها، شاشة كمبيوتر أو هاتف نقال ووصلة إنترنت، ليصبح العالم بين يديه من دون الذهاب إلى كتاب ورقي أو مركز ثقافي أو رحلة في طلب المعرفة.
عرفت الأستاذة زهور كرام مصطلح ” المؤلف الرقمي” ، بأنه ” الذي يؤلف النص الرقمي، مستثمراً وسائط التكنولوجيا الحديثة، ومنشغلاً بتقنية النص المترابط، موظفاً مختلف أشكال الوسائط المتعددة” .
وتضيف كذلك ” بأنه كاتب، عالم بثقافة المعلومات ولغة البرمجة المعلوماتية والتقنية الرقمية” .
فهو إذن مثقف التكنولوجيا ووسائل الاتصال الحديثة، و يتشكل داخل رحم الثورة التكنولوجية الرقمية، ويبتدع لغة غير معهودة وتغريداته ساخرة، ولغته ساخرة و مجازية.
يبدو هذا المثقف الرقمي في مواكبة مع مجتمعات ما بعد الحداثة، لكنه يبدو في مجتمعات لم تمر بمرحلة الحداثة بعد.. كائنا فضائيا ليس تقليلا لدوره؛ ولكن لأنه لا يستطيع التعامل مع مشكلات الراهن المعاش لهذه المجتمعات بشكل يمكن معه حلها، لذلك يبدو ظاهرة تجريف للحياة الثقافية، لأن التكنولوجيا نتجت عن ثقافة مستوعبة تم البناء عليها، في حين أنها في مجتمعاتنا استيراد للاستخدام وللدفاع عن الذات؛ وقد تنجرف لتقتل الثقافة التي لم تنتجها كابن شرعي لها.
لقد تعامل المثقف الكلاسيكي الورقي مع قضايا الأمة تعاملا تاريخيا، لأنه كان يعتقد بإيمان بالغ بأن الأزمة هي أزمة الأمة بأكملها… قضية الاستقلال، الأمية، التأخر العلمي، الطائفية.. الخ،
بيد أن أقصى تهديد قد يواجه المثقف الرقمي اليوم هو «إنتاج المعنى» وليس مجرد الحضور، المعنى الذي يعكس مفهوم القيمة في الحياة، لذلك نسمع اليوم مصطلحا غريبا يُتداول وهو مصطلح «الذُباب الالكتروني» ؛ وهذا دليل واضح على غياب المعنى تماما.
و السؤال الذي يواجه المثقف الورقي هو لماذا لا يظهر في وسائل الاعلام؟ والجواب، لأنه لا أحد ينتظر الاجابة منه، حيث المطلوب هو انتصار صناعة الكذب وترويجها حتى يصدقها الناس؛ وهنا يكون المثقف الرقمي قد حقق ما يصبو إليه، وما يعتقده حقيقة ليس لأنه يتعمد الكذب ؛ ولكن لأنه يرى الواقع من خلال الأرقام، والتي لا تحمل ذاكرة ، وليس لها أذن تردد الصدى.
تتعرض الدولة والمجتمع لضغوط شديدة نتيجة للثورة التكنولوجية السريعة التي تجتاح العالم ، لأننا الجانب الأضعف علميا في هذا الكون. كما يشهد العالم تحولا رقميا في الحياة بشكل عام، غير الكثير من المشهد الاجتماعي والثقافي والاقتصادي الحديث، لذلك دعت الحاجة بأن تكون الثقافة الرقمية محور الاهتمام؛ ومن ضمن الأولويات التي توليها المؤسسات في المجتمعات المختلفة، وذلك من أجل نشر الوعي التقني والاستخدام الأمثل لتلك التقنية في تيسير المهام والعمليات، وتقديم الخدمات للمستفيدين بكل جودة وإتقان.
لقد غدا دور المثقف الرقمي إذن يتمثل في رعاية سياسة الحقيقة وحمايتها ، والعمل من أجل البث في القواعد التي يدبر بها أمر الحقيقة في مجتمعه، للكشف عن الآليات التي تتحكم في توليد الخطابات والمعاني ونشرها وتداولها وتعميمها.. لقد أضحت مهمته في ظل هذه الثورة الرقمية، وتعدد صناعة الخطابات وفبركة الحقائق وتزييفها، مراجعة نظام الخطابات، والوعي بخلفيات مختلف المؤسسات التي تنتجه لفضحها.
يبدو إذن أن كل تجديد للفكر عندنا رهين أولا بوعي الأهمية الكبرى لوسائط الاتصال الجيدة ، وحسن استخدامها في مواجهة ثقافة التيه والوثوقية والتفاهة التي أصبحت مستشرية في مجتمعنا بامتياز .


































































